Activités du PrésidentActualitésÉtudes et recherchesÉvénementsPublicationsRevue du CMEADD

مالي والجزائر.. حين تلتبس الوساطة بإدارة عدم الاستقرار

دخلت العلاقة بين مالي والجزائر منعطفاً جديداً. فمنذ أعلنت باماكو، في يناير 2024، إنهاء العمل باتفاق الجزائر لسنة 2015، لم يعد الخلاف بين العاصمتين مجرد نقاش حول تعثر مسار سلام فقد كثيراً من فعاليته. لقد انتقل النزاع إلى مستوى أعمق، يتعلق بطبيعة الدور الذي تسعى الجزائر إلى ترسيخه في الساحل: هل لا تزال وسيطاً إقليمياً محايداً، أم أنها باتت قوة حدودية معنية بإدارة فضاء مضطرب تستمد من اختلالاته جزءاً من حضورها ونفوذها؟

تفرض هذه المسألة قدراً عالياً من الحذر والدقة. فالمصادر المفتوحة لا تسمح بإثبات وجود قيادة عملياتية مباشرة من الجزائر للجماعات المسلحة في مالي. لكنها تتيح، في المقابل، قراءة أكثر تركيباً، ترى في الوساطة المقيدة، والتسامح المجالي، والقنوات غير الرسمية، والتحكم في عتبات العنف، واستعمال الحدود كعمق استراتيجي، مؤشرات على انخراط غير مباشر في بيئة عدم الاستقرار المالي.

منذ تسعينيات القرن الماضي، بلورت الجزائر في جوارها الجنوبي عقيدة أمنية تجعل من مركزية الدور بديلاً عن السيطرة المباشرة على المجال. فالمسألة لا تتعلق باحتلال الأرض أو بالتحكم المباشر في المجال الساحلي الصحراوي، بل بالتحكم في مداخله، ومساراته، ووساطاته، وشبكاته، ومفاصل التوتر فيه.

بهذا المعنى، لا تعود الحدود الجزائرية المالية، الممتدة على نحو 1400 كيلومتر، مجرد خط فاصل بين دولتين. إنها تصبح مجالاً للحركة والضغط والفرز والوساطة غير المعلنة، حيث تستطيع الجزائر أن تؤثر في مسارات العبور، وأن تضبط هوامش الحركة، وأن تتحكم فيما يُسمح له بالمرور وما يُدفع إلى التوقف.

تقوم هذه المقاربة على معادلة دقيقة. فاستقرار شمال مالي بصورة كاملة يحد من الحاجة إلى الوساطة الجزائرية، ويقلص قيمة الجزائر كفاعل لا يمكن تجاوزه. أما تركه للجماعات الجهادية أو الانفصالية، فيقرب التهديد من الحدود الجزائرية نفسها. وبين هذين الحدين، يصبح الاضطراب المضبوط خياراً وظيفياً: يبقي الجزائر في قلب المعادلة، من دون أن يتحول إلى فوضى تهدد أمنها المباشر.

ويكشف اتفاق الجزائر لسنة 2015 هذا الالتباس بوضوح. فقد قُدم بوصفه إطاراً للسلام، لكنه رسخ في الوقت نفسه موقع الجزائر في قلب إدارة النزاع المالي. وعندما أعادت باماكو النظر فيه في يناير 2024، لم تكن تطعن في وثيقة دبلوماسية فحسب، بل في نموذج كامل للوساطة، يمنح الفاعل الحدودي قدرة على تنظيم المسار، وانتقاء المخاطبين، والاحتفاظ بموقع الوسيط الذي يصعب تجاوزه.

وداخل هذه البنية، يبرز مسار إياد أغ غالي بوصفه أحد أكثر الأمثلة دلالة على التداخل بين الوساطة، والشبكات المسلحة، والمناطق الرمادية في الساحل. يمثل إياد أغ غالي أحد أكثر المسارات كشفاً لهذه البنية. فقد تنقل بين أدوار متداخلة: زعيم طوارقي سابق، ووسيط في مفاوضات الرهائن، ودبلوماسي مالي سابق في جدة، ومؤسس لحركة أنصار الدين في ديسمبر 2011، ثم أمير لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين منذ مارس 2017. ومن خلال هذا التراكم، لا يبدو أغ غالي مجرد فاعل مسلح، بل نقطة التقاء بين التمرد الطوارقي، والوساطة الجزائرية، والجهادية الساحلية.

وتضفي العقوبات الدولية على هذا المسار دلالة إضافية. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين مدرجة على قوائم العقوبات التابعة لمجلس الأمن منذ أكتوبر 2018، بينما أُدرج إياد أغ غالي على القوائم الأممية منذ فبراير 2013، قبل أن تعلن المحكمة الجنائية الدولية، في يونيو 2024، مذكرة توقيف صادرة بحقه. وبذلك لم يعد الأمر يتعلق بزعيم تمرد طوارقي سابق، بل بفاعل تحول إلى أحد المراكز الرئيسية في البنية الجهادية بالساحل.

غير أن أهمية أغ غالي تعود إلى مرحلة أسبق بكثير. فمنذ مفاوضات تمنراست في يناير 1991، التي جرت بوساطة جزائرية، ظهر بوصفه مخاطباً مفيداً بين باماكو، والشبكات الطوارقية، والوسطاء الجزائريين، والترتيبات الأمنية الإقليمية. ولم تتراجع هذه الوظيفة الوسيطة لاحقاً. ففي سنة 2003، برز في مفاوضات رهائن مرتبطة بالجماعة السلفية للدعوة والقتال. وفي سنة 2007، وصفته برقيات دبلوماسية أمريكية بأنه مخاطب هجين، قادر على مناقشة الأمن، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتوازنات شمال مالي في آن واحد.

وجاءت المراحل اللاحقة لتزيد هذا المسار التباساً. فقد مثّل تأسيس حركة أنصار الدين سنة 2011 انتقالاً صريحاً نحو الجهادية المسلحة، قبل أن تمنح ولادة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين سنة 2017 هذا التحول بعداً إقليمياً أوسع، من خلال جمع عدة مكونات جهادية مرتبطة بتنظيم القاعدة. ولا يكفي مسار أغ غالي، في حد ذاته، لإثبات تبعية للجزائر. لكنه يكشف كيف استطاع مخاطب سابق في وساطات جزائرية أن يتحول، من دون تحييد حاسم، إلى أحد أبرز أقطاب عدم الاستقرار في الساحل.

هنا تظهر المفارقة الأهم: مفارقة عدم التحييد. فأغ غالي مدرج على قوائم العقوبات الأممية منذ فبراير 2013، كما أنه مشمول بمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، أُعلن عنها في يونيو 2024. ومع ذلك، وبعد إطلاق عملية سيرفال في يناير 2013، أشارت مصادر متخصصة، خلال السنوات اللاحقة، إلى وجوده في الجنوب الجزائري، خصوصاً في محيط تينزاوتين وبوغسة، من دون أن توثق أي عملية تحييد ضده. ولا يثبت ذلك وجود حماية رسمية، لكنه يعزز فرضية الملاذ الواقعي.

وتعزز قضية إن أمناس، في يناير 2013، هذه القراءة القائمة على المناطق الرمادية. فالهجوم على منصة تيقنتورين الغازية، الذي نفذه كوماندوس جهادي مرتبط بمختار بلمختار بعد خمسة أيام من إطلاق عملية سيرفال في مالي، كشف تناقضاً بالغ الدلالة: دولة ذات جهاز أمني كثيف لم تمنع وصول مجموعة مسلحة تسليحاً ثقيلاً إلى منشأة طاقية استراتيجية. ولا يثبت هذا الحدث وجود تواطؤ عملياتي. لكنه يبين كيف يمكن لفشل أمني كبير أن ينتج أثراً سياسياً، يتمثل في إعادة تثبيت مركزية الجزائر داخل أي هندسة أمنية في الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب.

ويؤكد صعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيداً. فالهجمات المنسقة في 25 أبريل 2026، التي استهدفت عدة مناطق داخل مالي، كشفت درجة من التخطيط والتنسيق تتجاوز مقاييس التمرد المحلي التقليدي. ولم تعد المسألة محصورة في الهجمات المتزامنة. فقد انضافت إليها ضغوط متزايدة على الطرق، والوقود، وسلاسل الإمداد، بما حوّل الهشاشة اللوجستية لمالي إلى رافعة سياسية عسكرية. كما أن تزامن العمليات، ودقة الأهداف، والاستخدام المبلغ عنه لطائرات تجارية معدلة، والاتصالات المؤمنة، واحتمال التنسيق مع جبهة تحرير أزواد، المعلن عنها في 30 نوفمبر 2024، كلها مؤشرات توحي بوجود بيئة إقليمية مساعدة. ومع ذلك، تبقى الحيطة ضرورية: فهذه العناصر لا تثبت وجود توجيه خارجي من دولة بعينها، لكنها تجعل فرضية الدينامية المحلية الخالصة غير كافية.

وتختصر تينزاوتين هذه الإشكالية بكثافة. فمنذ سنة 2012، تحولت المنطقة إلى فضاء للحركة والانسحاب وإعادة التشكل بالنسبة إلى عدد من الفاعلين المسلحين. وبحكم موقعها الملاصق للحدود الجزائرية، باتت منطقة حساسة تتقاطع فيها الشبكات الطوارقية، والجماعات المسلحة، والتهريب، والحركية الجهادية، وتنافسات النفوذ. وقد جسد حادث إسقاط الجزائر للطائرة المسيرة المالية في 1 أبريل 2025 هذا التوتر بوضوح. فبالنسبة إلى باماكو، كانت الطائرة تستهدف جماعات مسلحة متورطة في أعمال إرهابية. أما بالنسبة إلى الجزائر، فقد تعلق الأمر بالدفاع عن مجالها السيادي. وأياً تكن القراءة المعتمدة، فإن الأثر العملياتي كان منع ضربة مالية في منطقة حدودية حساسة، قبل أن تنقل باماكو النزاع إلى محكمة العدل الدولية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، لم تكن القطيعة أقل وضوحاً. فقد رأت باماكو في استقبال الجزائر لممثلين عن أزواد في فبراير 2023، ثم في استقبال الإمام محمود ديكو في ديسمبر من العام نفسه، تدخلاً في توازناتها السياسية والأمنية الداخلية. وبلغ التوتر مستوى أعلى في سبتمبر 2025، حين اتهم مالي الجزائر علناً، أمام الأمم المتحدة، بـ«تصدير الإرهاب». أما الرد الجزائري على هجمات 25 أبريل 2026، فقد جاء في 27 أبريل، أي بعد نحو ثمان وأربعين ساعة، بصياغة عامة تدين الإرهاب من دون تسمية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو جبهة تحرير أزواد. ويعكس ذلك حياداً أدائياً يقوم على إدانة الإرهاب كمقولة مجردة، مع إبقاء القنوات مفتوحة أمام وساطات لاحقة.

وتكشف الاتفاقات المبرمة مع تشاد في 22 و23 أبريل 2026 وجهاً آخر من هذه المقاربة، يتمثل في قدرة الجزائر على تعويض تدهور علاقتها مع باماكو عبر مرتكزات ساحلية بديلة في الساحل. لذلك تبدو الأطروحة الأكثر صلابة ليست أطروحة القيادة المباشرة، بل أطروحة الانخراط البنيوي. وهي أطروحة تقوم على تضافر عدة عناصر: الوساطة المقيدة، والوساطة غير القابلة للإسناد العلني، والتسامح المجالي، وتكريس الملاذ الواقعي، والتحكم في العتبات، ومحدودية التعاون العملياتي، والاستخدام الاستراتيجي للحدود.

ومن ثم، لا يتمثل السؤال الأدق فيما إذا كانت الجزائر تقود مباشرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو جبهة تحرير أزواد. السؤال الأهم هو ما إذا كانت ممارساتها الدبلوماسية، والأمنية، والحدودية، قد ساهمت في إنتاج أو إدامة أو استثمار بيئة مساعدة، استطاعت داخلها هذه الجماعات أن تبقى، وأن تتعزز، وأن تؤثر بصورة مستمرة في باماكو.

من هذه الزاوية، تبدو صورة الوسيط الخارجي، المحايد وغير المعني، أقل قابلية للدفاع. فالساحل يدخل مرحلة لم يعد يكفي فيها تقييم الوساطة من خلال البلاغات الرسمية وحدها. ما ينبغي النظر إليه هو آثارها الفعلية: من يحتفظ بالقنوات؟ من يتحكم في المداخل؟ من يستفيد من استمرار عدم الاستقرار؟ ومن يعود ضرورياً كلما اشتدت الأزمة؟

*أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس
الرئيس المؤسس للمركز المغربي للدراسات الإفريقية والتنمية المستدامة

Activités du PrésidentActualitésÉtudes et recherchesÉvénementsPublicationsRevue du CMEADD

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Bouton retour en haut de la page